ابن أبي الحديد

64

شرح نهج البلاغة

الإمامة هي نبوة مختصرة ، وإن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم المكذب بقلبه وإن أقر بلسانه ، الناقص المنزلة عند المسلمين ، القاعد في أخريات الصف ، إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين ، كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه ويملكها ويسمه الناس وسمها ، ويكون للمؤمنين أميرا ، ويصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين والفضل ! وهذا أعجب من العجب ، أن يجاهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) قوما بسيفه ولسانه ثلاثا وعشرين سنة ، ويلعنهم ويبعدهم عنه ، وينزل القرآن بذمهم ولعنهم ، والبراءة منهم ، فلما تمهدت له الدولة ، وغلب الدين على الدنيا ، وصارت شريعة دينية محكمة ، مات فشيد دينه الصالحون من أصحابه ، وأوسعوا رقعة ملته ، وعظم قدرها في النفوس ، فتسلمها منهم أولئك الأعداء الذين جاهدهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) فملكوها وحكموا فيها ، وقتلوا الصلحاء والأبرار وأقارب نبيهم الذين يظهرون طاعته ، وآلت تلك الحركة الأولى وذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم ، فليته كان يبعث فيرى معاوية الطليق وابنه ، ومروان وابنه خلفاء في مقامه ، يحكمون على المسلمين ، فوضح أن معاوية فيما يراجعه ويكاتبه به ، كصاحب الأحلام . وأما تشبيهه إياه بالقائم مقاما قد بهظه ، فلان الحجج والشبه والمعاذير التي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت ، فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام يخبط خبط العشواء ، ويكتب ما يعلم هو والعقلاء من الناس أنه سفه وباطل . فإن قلت : فما معنى قوله ( عليه السلام ) : " لولا بعض الاستبقاء وهل كانت الحال تقتضي أن يستبقى ! وما تلك القوارع التي أشار إليها .